حررن أنفسكن

الثامن من آذار هو في الحقيقة تاريخ مثقل بالنسبة إلى بالمناسبات فهو عيد ميلاد أخي المتوفي و هوي في سوريا عيد الثورة كما يقال كما وهو عيد المرآة العالمي .
نعم أنه عيدها الذي يمر ببلادي بلا أي مظاهر سوى لاتحاد النسوة وبفعاليات خجولة وكلها مرتبطة بثورة آذار !!
بدأت أحصر دماغي لكي أكتب عن المرآة و عن ما تعانيه و لعل أغير شيئاً فبدا أتعثر بحقيقة كنت اهرب منها فالنساء في بلادي تظلم النساء وتظلمن أنفسهن و تسجن أنفسهن أكثر و تحيط نفسها بقسوة تتخطى الذكورية و ظلمها ا للنساء الناتجة عن معتقدات اجتماعية و دينية و يرفعن النساء أسوارا حول أنفسهن عالية جدا .
و طبعا هذه الأسوار و الأفكار ناتجة عن الرواسب الاجتماعية التي تعيشها النساء ومن الظلم الواقع عليهن الذي أصبح بالصورة العامة شيء طبيعي و اعتيادي
قيامتكن تحتاج أن تحرروا الروح و عندها ستكون ثورتكن الأقوى
في النهاية أقول لأمي و أختي و صديقاتي و كل نساء العالم كل عيد و أنتن بأبهى صورة و أنتن أحرار .
الديمقراطية و العلمانية في البلاد العربية ( 2 ) – الأحزاب الدينية و الديمقراطية التعددية
يأخذ النقاش الخاص بمسألة الأحزاب الدينية حيّزاً كبيراً من النقاش حول الديمقراطية و العلمانية في الدول العربية, و لعلّها من أكثر النقاط إثارةً للجدل, و لا أعتقد أنّ هذا الحجم من النقاش كبيرٌ و مبالغ به و لكن ربما نجد بعض التهويل (برأيي) الصادر عن طرفي النقاش.. إن كان موافقاً على وجود أحزاب دينية ضمن منظومة ديمقراطية عربية مستقبلية أم رافضاً لهذا الوجود.
يجب ألا ننسى بدايةً أننا نتحدّث عن "منظومة ديمقراطية عربية مستقبلية" و مفترضة.. أي أن الحديث عنها في هذا العصر, و لأسبابٍ عديدة تبدأ من التخلّف الاقتصادي و الجمود الفكري و الفساد و الاستبداد و لا تنتهي بالتدخّل الأجنبي لمنع وجودها, يشبه الحديث عن الغول أو العنقاء أو الخلّ الوفي.. لذلك علينا ألا نحتدّ بالحديث كثيراً أو نستعجل نتائجه فالانتظار طويلٌ جداً يا سادة !
علينا, قبل أن نتحدّث عن مكان الأحزاب الدينية (أو لا مكانه) ضمن نظام ديمقراطي, أن نتحدّث قليلاً عمّا نقصده بـ "نظام ديمقراطي" لدولة ما: نستطيع أن نتكلّم عن دولة ديمقراطية عندما نتحدّث عن دولة ( كتعريف دستوري لها) محايدة أمام أي نظام انتمائي إيديولوجي أو ديني خارج المفهوم الوطني المجرّد من أي لواحق (و تكون الدولة أكثر "ديمقراطية" برأيي كلّما كان تعريفها الدستوري أكثر استقلالية عن أيّ نطاق فكري), و بدستور منفتح و تنويري يضمن قبل أيّ شيء آخر و بشكل صارم و دون أيّ رتوش المساواة الكاملة بين جميع أفراد هذا الوطن في الحقوق و الحرّيات و الواجبات بغض النظر عن أي انتماء ديني أو عرقي أو حزبي أو مناطقي .. الخ, كما يضمن حرّية الاعتقاد و التعبير و الممارسة (بما في ذلك الممارسة الدينية) دون أي تمييز, و ينظّم الدستور علاقة المواطن بالدولة و يحمي استقلالية المجتمع المدني (كجمعيات و مؤسسات مدنية, اجتماعية و اقتصادية و دينية, مستقلة عن الشأن السياسي) و يضمن هامش حركته و طرق تعبيره و تأثيره, و أيضاً ينظّم الدستور دور الدولة في الحياة الاقتصادية و يحدد الآليات التي تراقب هذا الدور و تضمن حسن سيره. بالطبع ينظّم الدستور كلّ ما يتعلّق بالحياة العامة في هذه الدولة و ليس فقط النقاط المذكورة أعلاه, لكنني أشرت إليها لأهميتها في الموضوع الذي نتحدّث فيه.
بطبيعة الحال لا يأتي دستور دولةٍ ما جاهزاً للتطبيق من كوكب آخر, كما لا يمكن استيراد دستور دولةٍ ما و تطبيقه على دولة أخرى (إلا إذا استوردت شعب هذه الدولة و عاداته و تقاليده و تاريخه و اقتصاده و تضاريس جغرافيا بلاده و مناخها), و بالتالي فمن الطبيعي أن يكون الدستور و التشريع نابعاً من ثقافة هذه الدولة و تراثها (و لغتها!) دون أن يعني ذلك أن يتحوّل إلى توثيقٍ لديكتاتورية الأغلبية, كما يمكن تعديل أمور معيّنة من الدستور (أو من القوانين المنبثقة عنه) ضمن آليات دقيقة و صارمة تضمن عدم المساس بروحه الأساسية الضامنة لحقوق و حرّيات الجميع.
الدولة الديمقراطية هي دولة مؤسسات و سلطات (تشريعية و تنفيذية و قضائية) مستقلّة فيما بينها, و لعلّ أهم و أقوى مؤسسة في أيّ دولة ديمقراطية هي المحكمة الدستورية (أو المرادف اللفظي لاسم المؤسسة المكلّفة بمراقبة حسن تطبيق دستور الدولة) القادرة على إلغاء أي قانون تشريعي أو إجراء حكومي أو حكم قضائي ترى فيه مسّاً لثوابت الدستور.
تقام في الدولة الديمقراطية انتخابات تشريعية دورية يُعبّر من خلالها عن الإرادة الشعبية بخصوص رسم الخارطة البرلمانية ( و هناك نماذج انتخابية مختلفة, فمنها القوائم الحزبية المغلقة و منها القوائم المفتوحة التي تسمح بوجود مستقلين.. الخ) و تنبثق السلطة التنفيذية (الوزارة) من هذه التشكيلة البرلمانية بعد نيلها الأغلبية الكافية, و يحق لهذا البرلمان المنتخب حجب الثقة عن الوزارة أو إقالتها (إن نالت هذه القرارات الأغلبية الكافية) أو حتى حل المجلس التشريعي و إقامة انتخابات جديدة في حالات معيّنة. و لا تقتصر الحياة الديمقراطية في أيّ بلد على انتخاباته التشريعية, فهذا الأسلوب في اختيار المسئولين و مساءلتهم يجب أن يشمل الدوائر الأضيق أيضاً مثل السلطات المحلّية و الأقاليم و غيرها من تقسيمات الدول.
إن هامش عمل أي مجموعة أشخاص أو أي حزب يصل إلى السلطة محدود بالصلاحيات التي يمنحها الدستور و بالطريقة القانونية لاستخدام هذه الصلاحيات.. ليس الوصول إلى السلطة "كارت بلانش" لاستملاكها !
جيّد.. انطلاقاً من هذا التصوّر الافتراضي لدولة نموذجية ديمقراطية (و علمانية حسب مفهومي). هل يمكن أن توجد أحزاب دينية؟ رأيي الشخصي الصريح و البسيط و الواضح هو أنّ أي حزبٍ أو تجمّع سياسي يؤسَّس ضمن الحدود الدستورية و يحترم هذه الأسس و الثوابت و لا يمس الحرّيات و الحقوق الدستورية لأي مواطن مهما كان انتماؤه و يعترف بالمساواة بين المواطنين بشكل واضح و صريح و ملموس و مثبت, و يقدّم برنامجاً سياسياً دستورياً على هذا الأساس.. أعتقد أن أيّ حزب أو جماعة سياسية تحقق هذه الشروط هي جماعة سياسية مشروعة.. حتى لو كانت حزباً دينياً, إن كان حزباً دينياً بشكل لا مباشر أو مباشر ( و قد يكون السؤال المشروع هنا هو: هل يمكن أن توجد فعلاً أحزاب دينية بهذا الشكل؟ و هذا هو السؤال الذي يدور حوله جزء من هذا النص و النص المقبل).. أما ما يخرج عن حدود هذا الالتزام بالدستور ( و تقييم ذلك من صلاحية محكمة دستورية مستقلّة و حرّة و نزيهة, مثل المحكمة الدستورية التركية التي رفضت – بشكل صائب و صحيح برأيي – حظر حزب العدالة و التنمية التركي الحاكم), فلا مكان له ضمن نظام ديمقراطي دستوري, و لا أعتقد أصلاً أن أي جماعة سياسية لا تعترف بالدستور أو بالديمقراطية سوف تحاول أن تدخل أساساً في هذه المنظومة, بمعنى آخر: الرفض متبادل. لكن يجب أن نشير إلى نقطة أخرى هامة: إن هذه المحاكمة بخصوص احترام الدستور و الأسس الديمقراطية لا تتعرّض لها فقط الأحزاب الدينية, بل كلّ فكرة سياسية, و يجب أن يتم استبعاد كلّ خيار سياسي لا يحترم الدستور و لا يعترف بالنظم و الأسس الديمقراطية العادلة.. أي أن كلّ فكرة شمولية مرفوضة, و هناك نظريات سياسية علمانية لا تعترف هي الأخرى بالديمقراطية التعددية و ليس فقط بعض الأحزاب الدينية, و بالتالي ليس لهذه النظريات مكانٌ أيضاً ضمن هذا النوع من الأنظمة ما لم "تؤقلم" أفكارها حسب المتطلبات الديمقراطية, مثلها كمثل الأحزاب الدينية, لا فرق.
ماذا عن الشمولية في الفكر العربي؟ هل هي مرتبطة بالدين فقط؟
قطعاً لا..
للأسف نعيش واقعاً فكرياً عربياً يعاني, عدا الجمود و السبات المطوّل, يعاني من تغلغل الشمولية و منطق الإقصاء و الإلغاء في جميع التيارات الفكرية دون استثناء, و لا نروي جديداً للقراء عندما نقول أنه لا توجد محاورة فكرية جدّية في الواقع العربي, فكلّ ما نجده إما أنه يقع ضمن نطاق "التعايش الفكري التوافقي و المخملي" أو يندرج ضمن ثقافة الإلغاء الراسخة بشقّيها (العلماني و الديني) : التخوين و التكفير. قد يكون التخوين و التكفير صريحاً و واضحاً, أو قد يكون مبطّناً محتالاً و مقنّعاً.. مزيجٌ من الطعن بنزاهة الآخر و فكره, أي أننا نجد مفاهيماً عن "الآخر" ليست إلا عبارة عن سلبيات تتراكم في صورة نمطية نحدّثها و نواجهها بدل أن نحدّث الشخص الذي نفترض أنه يقف وراءها, أي أننا مثلاً عندما نتحدّث –بشكل عام – من منطلق "فكر ديني" لا نحدّث العلماني كإنسان صاحب فكر و قناعة, بل أننا نرى أمامنا شخصاً سطحياً متأثراً بالغرب و كلامه فارغ و لا يمكن التكلّم معه إلا بشتمه و شتم ما يجلبه من أفكار "مسمومة" (إن كنا نبدأ بتسمية فكر الآخر بالـ "مسموم" فعن أي تعددية و احترام اختلاف فكري نتحدّث؟!) وبالمقابل إن انتقلنا إلى وجهة نظر علمانية "مقولبة" – أيضاً بشكل عام – نجد أنه يرى مقابله متديناً دوغماتياً لا يقبل الجدل و لا يحتكم إلى العقل و يرى في نفسه "صوت الله" على الأرض و المكلّف بتطبيق شرعه رغماً عن الجميع لأنه الحق و الحقيقة المطلقة الوحيدة, و ما عداه ليس إلا كفراً يستحق المحاربة (و ربما المقاتلة و القتل).
أجل هناك شيء من هذا القبيل (من الطرفين).. لكنها, عندما نعممها على الجميع, ليست إلا صور نمطية ظالمة نعتمد عليها للتخلّص من أي عبئ نفسي يفرضه محاورة الآخر.. يكفينا أن نسترجع الصورة النمطية السلبية لهذا "الآخر" في ذهننا لنبرر لأنفسنا إقصاءه و إلغاءه لأنه "لا يستحق منا الاعتراف". هل هذه حياة فكرية صحيحة؟
لنرى "الحوارات" التلفزيونية من نمط (الاتجاه المعاكس و غيرها) و التي تعكس بجماهريتها و دورها في "صناعة الرأي العربي" المنطق الحواري السائد, على أيّ أساس من أسس الحوار الفكري تقوم؟ إن لم يشتم "المتحاورون" بعضهم البعض بالكمّية الكافية يتكفّل مقدّم البرنامج بـ "تسخينهم" كي ترتفع وتيرة الشتم و الانتقاص و الطعن في الآخر لأنه هكذا يجب أن يكون "الحوار الساخن", و يبدأ البرنامج و ينتهي و لم يفهم المشاهد شيئاً من أحد و لا خرج بنتيجة مفيدة.. إلا اللهم إن قال أحد "المتحاورين" شيئاً مسلّياً ينفع للتندّر... هل هذا حوار؟ هذه مصارعة رومانية "ع القاعد".. أم علينا أن نقول أنها مصارعة عربية ؟!
لا نستطيع أن نتحدّث عن سبب واحد لهذا الرسوخ في الفكر الأحادي و الإقصاء, هناك موروث من الرفض لأي فكر مغاير للسائد بدأ مع تزاوج جزء من الخطاب الديني مع الاستبداد و يمر أيضاً بمحاولة الوقوف في وجه هذا النوع من الاستبداد باستخدام نوع آخر من الإقصاء.. و تشكّلت دوامة ما زالت تعصف بالفكر العربي. و للاستبداد السياسي الفكري و آثاره الاجتماعية الثقافية و الإعلامية و التعليمية و الدينية نصيب الأسد في ترسيخ الشمولية و زرع جذورها أعمق مما هي عليه الآن حتى.
إذن لماذا يرفض الكثيرون وجود الأحزاب الدينية في الحياة السياسية..
الحقيقة أنني, رغم عدم اتفاقي مع ضرورة هذا المنع, أتفهّم جزء من هذا الرفض ضمن السياق الفكري و السياسي الراهن في بلادنا العربية.
أعتقد أنه يمكن تصنيف أسباب رفض وجود الأحزاب الدينية في ثلاثة نقاط ليست منفصلة و متمايزة تماماً عن بعضها بطبيعة الحال:
الأولى: القناعة بأن الفكر الديني بالتعريف هو فكر شمولي و أحادي مبني على "ترجمة عملية" لمشيئة إلهية, و هذه المشيئة لا تقبل جدلاً و لا تحتمل اعتراضاً, و بالتالي لا يمكن لحامل فكر ديني أن يكون ديمقراطياً (حتى لو أراد ذلك), و ربما نتحدّث عن إمكانية إصلاح أو لا.
الثانية: القول بأن الخطاب الديني الممزوج بالسياسة هو خطاب شعبوي عاطفي.. أي أنه لن يجهد نفسه بتقديم حلول عملية و خطط واقعية بل سيكتفي باللجوء إلى النصوص الدينية و تكرارها بوجه أي مشروع آخر, و هذا سيكفيه لنيل تعاطف الناس (و أصواتهم), أي بمعنى آخر لن تكون المنافسة نزيهة و لن يكون هناك مساواة عملية في الفرص لأن سلاح النزعة الدينية فتّاك و مقارعته قد تكون خطيرة. و الحل لهذه المسألة برأيي هي الممارسة العملية للديمقراطية في السياسة اليومية.
من الطبيعي أن تنقاد الشعوب خلال أزمات معيّنة وراء خطاب عاطفي و شعبوي (قد يكون دينياً و قد لا يكون.. و تقدّم اليمين الشعبوي في دول أوربية كثيرة يأتي من هذا المبدأ), و في مراحل كثيرة يحتاج الناس لأن يسمعوا ما يحبون أن يسمعوا و ليس ما يجب أن يسمعوا. لكن في النهاية, مهما كان من الممكن "تسيير" الشعوب بأساليب مختلفة فإنها ليست غبية و ستعرف مع الوقت ترجمة الخطاب السياسي إلى ما يهم مصالحها الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و الفكرية, و انتقاء الخطاب الذي يناسب بالنظر إلى المضمون و ليس إلى الشكل و الغلاف الخارجي و "الكلام العاطفي".
الثالثة: الحديث عن خطورة الأحزاب الدينية في تقسيم المجتمع و تأليب بعضه على بعضه الآخر, خصوصاً في حالات المجتمعات المتعددة الأديان و الطوائف.. هنا توجد مسألة مهمة: الأحزاب الدينية, و الأحزاب القوميّة في الدول متعددة القوميات أيضاً, تسعى عادةً إلى كسب أنصار أديانها و قوميتها عن طريق لمس الهوية الانتمائية (و ربما ممارسة خطاب يعطيهم الإحساس بأن هذه الهويّة مهددة و أن هذا الحزب أو هذه الجماعة هي التي سوف تحمي هذه الهوية), و قد يكون خطر هذا النوع من الخطابات كبيراً جداً.. و لا شك أنه لو كان هناك شروخ طائفية في دولةٍ ما فإن الأحزاب الدينية و الطائفية بشكل عام ستعمّق هذه الشروخ و تثبّتها لأن لها في ذلك مصلحة سياسية (كأن يصبح حزبٌ من الأحزاب "حامي حمى" هذه الطائفة أو هذا الدين على الطريقة اللبنانية, الجميع يقول كلاماً جميلاً عن رفض الطائفية لكنهم لا يفعلون شيئاً ضدها لأن خارطة توزيع الجماهير, و هي خارطة مستقرة مهما تغيّرت سياسة الحزب و توجهات زعيمه و تحالفاته, مبنيّة على طائفية المجتمع), لكن عليّ أن أقول أن الطائفية قد تنتج أحزاباً, لكن الأحزاب لا تنتج طائفية.. إن لم يكن هناك واقع انقسام ديني و طائفي بين الفئات الشعبية المختلفة فلن يحدث هذا الانقسام بسبب نشوء حزب ديني (بل على الأغلب لن ينمو هذا الحزب الديني كثيراً في هذه التربة الاجتماعية), لكن إن كان هناك واقع انقسام طائفي موجود فعلاً فنعم.. قد تكون الأحزاب الدينية وقوداً يساهم في إشعال هذا الواقع, لكن إصلاح الشرخ الطائفي أصعب بكثير من مجرّد منع الأحزاب الدينية, بل ربما إن ألغي السبيل السلمي للتعبير قد يتم الانتقال إلى أساليب أخرى أكثر عنفاً و دموياً.
من الخطورة بمكان, عدا عن لا أخلاقية الإلغاء في النظام الديمقراطي, مسح تمثيل سياسي لمجموعة من الناس داخل دولة إن لم يكن لضرورة مطلقة و دون محاولة أساليب أخرى من أي نوع (و دائماً هناك حلول.. لمن يريد أن يبحث عنها فعلاً).. هذا سيجعلهم يشعرون بأنهم مهمّشون و لا صوت لهم, و بالتالي سيكونون تربة خصبة جداً لكل أنواع التطرّف و التعصّب.. و ستجد المنظومة الديمقراطية أنها بدل أن تتعامل مع أحزاب و جماعات سياسية بداخلها و يمكن دفعها إلى تغيير سلوكها و خطابها بشؤون معيّنة فإنها تواجه جماعة مسلّحة أو فرقة إرهابية تتمتع بدعم الناس الذين وجدوا أنفسهم خارج المنظومة التمثيلية و مهمّشين من قبلها, و لهذا السبب لست فقط ضد منع الأحزاب الدينية بالكامل بل أنني مع وجود "مرونة" تجاهها خلال مرحلة معيّنة (و مرونة لا تعني التغاضي عن عدم احترام الأسس الدستورية و وحدة الكيان الوطني و حرية و حقوق أفراده, بل نقصد نوع خطاب, أو لهجته) لأنه من الأسهل و الأسلم التعامل و الاختلاف و التعارك حتى, داخل المنظومة الديمقراطية و ضمن أسسها و أدبياتها و أساليبها, من أن تتحوّل المنظومة الديمقراطية بحد ذاتها إلى عدوّ بالنسبة لهذه الجماعات الدينية و من يؤيد خطابها مع كلّ ما يعني ذلك من قلاقل.. و ربما عنف!
الثقافة الدستورية و الوعي الديمقراطي هما الأساس, و هي أمور تراكمية تأتي مع ممارسة ديمقراطية مطوّلة و مستقرّة و لا تأتي بين ليلة و ضحاها, و لهذا السبب فإن محاولة إنشاء ديمقراطية ناضجة بين ليلة و ضحاها ليس إلا كذباً باسم الديمقراطية و اختطافاً لاسمها مثل أسلوب أسلوب إدارة بوش الأمريكية التي أخّرت بتدخلاتها العسكرية و غير العسكرية وصول الديمقراطية إلى الدول العربية لعدّة أجيال, و طبعاً فعلوا ذلك عامداً متعمداً, و سنتحدّث عن هذا لاحقاً.
لن ننتهي من الكلام عن الأحزاب الدينية إن لم نقارب مسألة إمكانية تأقلم الفكر و الخطاب الديني مع الحياة السياسية الديمقراطية, و هذا سيكون عنوان النص القادم من هذه السلسلة.
